فخر الدين الرازي
172
النبوات وما يتعلق بها
« فَصَلَّى » : إشارة إلى استسعاده في تكميل « 11 » ] قوته العملية بارشادهم وهدايتهم . ثم عاد إلى بيان أحوال المعرضين عن الانتفاع بارشاد الأنبياء - عليهم السلام - وهدايتهم . وبين أن ذلك الاعراض انما تولد عن حب الدنيا وقوة الرغبة فيها ، [ فقال : « بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا » « 12 » ] ثم بين أن الرغبة في الروحانية التي تحصل في عالم الآخرة راجحة على لذات هذه الدنيا من وجهين : أحدهما : أنها خير من اللذات الجسمانية . وقد سبق تقريره في كتاب « النفس « 13 » » . والثانية : أنها أبقى من هذه الجسمانيات . وذلك معلوم بالضرورة . واعلم . أنه ظهر بهذه الآيات أمور أربعة : فأولها : أحوال الإلهيات . وثانيها : صفات النبي « 14 » والرسول . وثالثها : انقسام المستمعين ، إلى من ينتفع بارشاد الأنبياء - عليهم السلام - وإلى من لا ينتفع به ، وبيان أحوال كل واحد من هذين القسمين . ورابعها : التنبيه على أن خيرات الآخرة أفضل وأبقى من خيرات هذه الحياة الدنيا ، والأفضل الأبقى ، أولى بالتحصيل . وعند هذا قد تم كل ما يحتاج الانسان إليه في معرفة المبدأ ، ومعرفة صفات الأنبياء - عليهم السلام - ومعرفة أحوال النفس ، ومعرفة الآخرة . ثم ختم السورة بقوله : « إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى » والمعنى : أن كل من جاء من الأنبياء وأنزل اللّه عليه كتابا وصحيفة ، فلا مقصود منه الا هذه المراتب الأربعة المذكورة ، ومن وقف على أسرار هذه السورة على الوجه الّذي لخصناه ، علم أن حقيقة القول في النبوة : ليس الا ما ذكرناه . ومن جملة السور اللائقة بهذا المعنى : سورة العصر . فبدأ بقوله :
--> ( 11 ) من ( ل ، طا ) . ( 12 ) سقط ( ت ) . ( 13 ) التفسير ( ط ، طا ) . ( 14 ) اللّه والرسول ( ط ) .